فقط كيس بطاطا آخر

انظرْ لتلك الخِربة البشرية, بذاءة متنكّرة, إهانة للحواس. خراء المستنقعات هذا يجب أن يزالوا من قبل أنظار الجميع, و أن يُنقلوا إلى مكان بعيد, حيث يستطيعون أن يذوبوا و يختلطوا ببعضهم لشيء أقل بشراً, أكثر مخاطية, حيث لا بئس .عليهم و لا هم يحزنون

أخبرها بأن من مثلنا سيبادون قريباً بوجود هؤلاء. أنصاف بشر تملأ الشوارع, أشبه بشوالات بطاطا متحركة ناطقة. قشر القشور, يعملون سخرة كعقبات لنا, كإحدى منغّصات الحياة, شيء لا يمكن تفاديه إلا بالقتل. لا, ليس القتل. هم بالفعل موتى, مقتولون منذ زمن طويل. هم كالأشجار التي استسلمت و لم تعد تورق أو تزهر, خلعها من جذورها واجب للمواطنين مثلنا, أنا و هي.

مناظرهم تأثر فيك كآلة زمن. هم ليسوا أكثر من غرائز تأخذ صور آدميين؛ يأكلون ينامون يتنايكون, و ليسوا حتى جيدين في أي من هذا. مدفعون نحو هذه الضروريات بخواء عقلي شبيه باللحظة التي تنظر فيها إلى أسفل جرف صخري, و تدرك كم تفاهتك و عدم أهميتك, و لكن رغم هذا تبقى تتنفس للسبب نفسه. آلة زمن تعيدك إلى الوراء, إلى زمن سحيق لم يعرف فيه البشر أي متعة واعية, يفعلون الأشياء لضروريتها ليس أكثر.

ماذا تفعل بهؤلاء؟ كيف تتعاطى معهم؟ أتذكر أنني قلت لها, و لا أتذكر كيف ودّانا الحديث إلى ذلك: “لهذا الأحسن أن ينوضعوا كلهم في مخيمات بعيدة, يعني بجم لا تميز بين هنا و هناك, اعطيهم شوية برسيم و ماء و فُتَح لأيورهم و لن يعوا حتى أنهم نقلوا من مكانهم.”

هالتها الفكرة _كان لها ماضي يساري_ و بهدلتني. تقول شيئاً من قبيل: “الناس ليست مشاريع استثمار.”

“يعني لن تنفذي مخططي معي؟” سألتها و أنا أحكّ ذقني بشراسة. قمّلتْ؟

“طبعاً لا.” تجاوب بحدة. تعيد نظرها إلى المرآة و تكمل تمشيط شعرها.

“يعني بودك أن تصبحي ستّ بيت سمينة تقضي نهارها تفقّي البزر و تضرب أولادها على قفاهم كلما سألوا سؤالاً لا تريد الإجابة عليه خوفاً من تفاهتها و خجلها الصبياني من أولادها؟ هذه آخرة النساء هنا, كلهن بدون استثناء.”

تأفأفت. “مش ضروري.”

(مش ضروري). تلك هي المانترا, ذلك هو الهوس. الإيمان بأنك مختلف لأجل الاختلاف. بأنك غيرهم. بأنك شخصك المنفرد الفريد الذي لم يمر على الزمان قبله. التميّز كهدف بحد ذاته. أفنوا عمرهم و هم يشاهدون أفلام هوليوود عن حياة طلاب الثانوية الأمريكان. طلاب ثانوياتنا… ثانويون, بالأكثر, و لا يتحدثون الإنكليزية بطلاقة, رغم أنك لا تحتاج تلك اللغة فعلياً لأي من تحركاتك هنا, من سؤالك عن سعر الخس إلى ملاطشتك إحداهن. كيف تقول “يقبرني رب هالشفايف” بالإنكليزية مثلاً؟ يستحيل!

و هكذا كل مرة. إذا بقيتْ هكذا سأضعها في ثلة أكياس البطاطا, مع الباقين. هكذا دائماً, يتسلل القبول و الخنوع إليك دون وعي. في البداية توافق و تصمت, و ينتهي بك الأمر إلى ترديد كليشيهات العامة نفسها. هكذا بدون أي مراجعة لمواقف سابقة. نحن نعيش هنا في زريبة يملؤها “يساريون سابقون”, أياً كان ما يعنيه ذلك, و كلهم أتفه من بعضهم. كلهم خرابات بشرية و قنابل من الزبالة قد تنفجر في أي لحظة. كلهم مخاطيون دنيئو النفس يبيعون نفسهم “للقضية الجديدة” كلما ظهرت و أينما ظهرت. تحسهم يريدون أن يُلاحظوا بأي شكل من الأشكال, و حتى ولو اضطروا للنزول إلى أوطى مصافِ الإنسانية, لذلك يرغبون في تعدي حدودهم, الفعلية و الوهمية, بعيداً عن الكل العارف بتفاهتهم, ليبنوا أمجادهم و تاريخهم المختلق فوق كوارث أكياس البطاطا الأخرى و التي قبلت مسبقاً بانعدام أهميتها.

حياتنا هنا, و هذا الحبس المكيّف, هو نكتة ربانية بذيئة, و غير مضحكة. هناك مأساة في أن يعتقد الله أنه ظريف. مأساة حقيقية, و فجاعتها أكبر من أن تُحتمل. و مع كل هذا الألم المحاط بالبشر, مازلت أؤمن بأن هناك كياناً أثيرياً يراقبنا و يحكم علينا و يسجل أعمالنا و يجيرنا من أشياء تافهة كحوادث سيارة أو كسر في الحوض, لنموت لاحقاً في شيء مسلي أكثر, كتفجير, مثلاً, أو قصف عشوائي. هو يتابعنا إن لم يكن لشيء إلا لإمضاء وقته. أنا أكثر رومنسية من أن أرفض فكرة وجوده, و أرفض قطعاً أن أكون كؤلائك الملحدين الذين يقضون وقتهم يسبون الآلهة نفسها التي لا يؤمنون بوجودها.

نقضي العمر كله نتخبط عشوائياً, و نموت ألف ميتة لنحصل على ما نريد. لا نملك أنفسنا. نولد عقارات لأشخاص آخرين. و نكتشف متأخراً أننا مسيّسون, و الفرق يصير بمن يقبل بهذا الاكتشاف. نظن أننا نتمرد إذا شاهدنا فلماً ألمانياً أو قلنا رأينا في مساوئ العنصرية, و نحن حقيقة لا نخرج عن حلقة المقبول و المرضي عليه.

ثلة من البدو خارج سياقنا التاريخي.

نلف و ندور و نعود إلى حيث ننتمي, إلى حيث نشبه الجميع, بحذائنا “الماركة” التقليد الصيني و أفقنا المعزول. و يأتيك ذلك المنيك المعثر ابن جارك ليطلعك على أخبار تقديمه على المنحة و أنت حتى لم تسأل. يظن أنك تهتم و أنت جلّ ما تفكر به أثناء كلامه هو كم الذل الهائل المتجسد في تلك العينين. يحدثك عن أحلامه و آماله و تصوراته المهترئة عن الغرب و حياته في الغرب. ماذا تقول له؟ أتقول له إن مكاننا نحن وراء البقر, مخبئين عن عيون العالم و عن الناس الأحق بالحياة؟ يا حبيبي أحد من أولائك له حياة شخصية أعقد من قضيتك بكثير, و فيها زخم و انتصارات لم تعرفها لا أنت و لا أجدادك. هم لا يعرفونك و لا حتى يعرفون بلدك بالاسم, و أنت أتفه من أن تُعرف. العالم لا يهتم لك و لا يهتم أنك كنت الأول على دفعتك و لا يهتم أنك قضيت أيام قطع الكهرباء تدرس على ضوء الشموع. يا حبيبي تعليمك لا يريد لك أن تكون أكثر من موظف دولة, فاقبل بهذا.

لن تحتفي بك جامعات الغرب, و لا ينتظرك أي من بروفيسوراتهم و لن يكتشف أحد “عبقريتك الكامنة” و لن تحتفي بك أي من تجمعات الكتّاب السخيفة و تناقش شعرك الخرائي بحمية و لن تغير وجه “المشهد الأدبي” المعدوم أصلاً و لن تظهر في البرامج الحوارية على “الجزيرة” و تُقدم ك “مفكر عربي”. أنت تفوق كل ما سبق تفاهة.

رفاقك هم كذلك ليس لشيء إلا لأنهم يحتاجون حارس مرمى في كرة القدم. لا أحد يحبك سوى أمك, و حتى هي في أعماقها تتمنى التخلص منك و من العائلة كلها و لو لنصف ساعة. يا حبيبي لا خلاص لك, لا انفكاك من حقيقتك, عارك الصحراوي سيتبعك إلى آخر ما عمّر الله. لا يهم كم المارتيني الذي تشربه في مخيلتك مع “زملائك” الجامعيين الأجانب, أو كم الشقراوات اللواتي تصاحبهن في أحلامك تحت الغطاء ليلاً أو المصطلحات التي تتدرب على لفظها خجلاً من مستمعيك الأجانب المتخيلين. كله كله لا يهم.

لا مكان لك في عالمهم يا حبيبي, فابدأ بالبحث عن واسطة و أمّن لنفسك كرسياً بلاستيكياً _من الذي يدور_ وراء مكتب و أرسل أمك تبحث لك عن عروس و حينها تكون قد قدمت الخدمة الوحيدة في حياتك كلها و أرحت أمك, فقدم هذه الخدمة و انسحب إلى غياهب الكون حيث من مثلنا يقبعون و مارس طقوسك في أظلم كهوف الذاكرة الإنسانية حيث لا أحد يزعجك و لا تزعج أحداً, و ستتحول تدريجياً إلى شوال بطاطا و لا بئس في ذلك. سينكشك الفضول أحياناً و تمد رأسك خارج الكهف و سيمر الناس من أمامك و لن يراك أحد. أنت أتفه من أن تُرى. ستعرف يا حبيبي حينها أن الخفاء أشرف للذين مثلنا.

و أرجوك, لا تكبر لتصبح يسارياً سابقاً.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s